بصيت على ندى وهي ماشية في الممر بتمسح دموعها بـ “كم” اليونيفورم الخشن، وعرفت في اللحظة دي إن “العبء” الحقيقي مش ندى.. العبء هو الذنب اللي هيفضل عايش جوايا طول عمري. بعد ما ندى خرجت، الأوضة بقى فيها سكات تقيل أوي، مفيش غير صوت ضحكة شيرين وهي ماسكة الموبايل وبتقلب فيه ببرود، وكأنها مدستش على كرامة بني آدمة من لحظات. حاولت أتحرك، حاولت أخد نفسي، بس الهوا كان كله ريحة “كلور”.. الريحة اللي شيرين اتريقت عليها، بس كانت هي دي ريحة شرف ندى اللي حافظت عليه، في الوقت اللي أنا ضيعت فيه وصية عمي ولحمي.
فتحت الدولاب عشان أرص الهدوم زي ما شيرين طلبت، بس إيدي كانت بتترعش. قميص ياسين وقع مني، ولما وطيت أجيبه، شوفت “الـ 20 جنيه” لسه مرمية على الأرض، غرقانة في مية المسح.. ندى مخدتهاش. سابتها عشان تلطش كبريائي أنا ومراتي ميت قلم بسكاتها ده. بصيت لياسين ابني وهو نايم، وجالي رعب فجأة.. يا ترى ذنب ندى ده هو اللي هيدفعه ابني الصغير؟ يا ترى سخونية جسمه دي أول الرسائل اللي القدر بيبعتها لي؟ لمحة نيوز قطعت شيرين سرحاني وهي بتقول بقرف: “مالك يا بيبي؟ واقف كأنك شوفت عفريت ليه؟
بقولك إيه، ابقى كلم مدير المستشفى يغيروا الشغالة دي، مش عايزة أشوف وشها الكئيب ده هنا تاني.” مردتش عليها، وخرجت من الأوضة زي المجنون. فضلت أجري في الطرقات الطويلة، بدور على الهدوم الزرقا الباهتة دي. شوفتها في آخر الممر، كانت سانده راسها على الحيطة ثانية واحدة، قبل ما تفتح باب أوضة تانية عشان تبدأ شقا جديد.
“ندى!”.. نديت باسمها وصوتي مخنوق. وقفت مكانها بس ملفتتش. قربت منها وأنا حاسس إني قزم، أصغر من أي وقت فات. “ندى.. أنا.. أنا مش عارف أقول إيه. شيرين مكنتش تقصد، وهي متعرفش إنتي تبقي مين..” لفتت ندى ببطء، وعينيها كانت ناشفة من الدموع، بس فيها برود يوجع أكتر من العياط. قالت بصوت هادي يذبح: “مش مهم هي تعرف أنا مين يا ابن عمي.. المهم إنك إنت اللي عارف أنا مين، وعارف إن دي الوصية اللي سابها لك أبويا قبل ما يمو. ت. هي مش غلطانة، هي شافت واحدة غريبة بتمسح تحت رجليها فاتعاملت بأصلها..
وإنت كمان، شوفت بنت لحمك ودمك بتهان، واتعاملت بأصلك.” إيدي راحت لمحفظتي تلقائي، كنت عايز أديلها فلوس، أي حاجة تكفر عن اللي حصل، بس هي رفعت إيدها الخشنة في وشي بحسم: “شيل فلوسك يا أستاذ.. أنا باكل لقمة حلال من عرق جبيني. يوم ما رميتني في الشارع وقلت لي اتصرفي، ربنا هو اللي صرفني. الشغلانة دي هي اللي سترتني وفتحت لي باب رزق بعيد عن ذل سؤالي ليك.
” سألتها بمرارة: “ساكنة فين؟ وعايشة إزاي؟” ابتسمت بوجع وقالت: “عايشة في ستر الله. وبكرة لما ابنك يقوم بالسلامة وتخرج من هنا، انسى إنك شوفتني.. زي ما نسيت وصية عمك. أنا مش “عبء” يا ابن عمي.. أنا اللي كنت هشيل عنك كتير، بس إنت اخترت اللي تشيلك ذنب ملوش آخر.” مسكت ندى المساحة والجردل، ودخلت الأوضة اللي بعدها وقفلت الباب، وسابتني واقف في الطرقة لوحدي، على صوت كعب شيرين وهو بيقرب وهي بتنادي بصوت عالي: “إنت فين يا بيبي؟
سايبني لوحدي ليه؟” بصيت لإيدي النضيفة، وبصت للباب اللي ندى قفلته، وعرفت وقتها إن مهما غسلت إيدي بأغلى براندات العطور، ريحة الذنب ده هتفضل مطارداني.. ندى اللي كانت في يوم من الأيام ملكي وتحت طوعي، بقت دلوقتي أبعد من النجوم، بكرامة مفشلش فقرها ولا الـ 20 جنيه بتوع شيرين إنهم يكسروها. رجعت الأوضة وأنا رجلي مش شايلةني. شيرين كانت لسه بترص علب المكياج بتاعتها على الكومودينو اللي ندى لسه ملمعاه، وبتقول بزهق: “تصدق الأوضة لسه ريحتها فقر برضه؟
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.