أنا هكلم الدادة تجيب لي معطر جو بريحة الياسمين، مش طايقة القرف ده”. بصيت لها وكنت أول مرة أشوفها على حقيقتها.. كانت حلوة وشيك، بس في عيني بقت شبه “السراب”، فاضية من جوا. حاولت أنطق، أقولها إن اللي كنتِ بتهينيها دي “بنت عمي”، إن دي اللي أبويا وصاني عليها وأنا خذلته، بس لساني كان مربوط.. خفت من نظرة الاحتقار اللي ممكن أشوفها في عين شيرين لو عرفت إن قريبتي “شغالة نظافة”، وخفت أكتر من نفسي اللي وافقت على المهزلة دي من البداية.
ياسين بدأ يئن وهو نايم، جريت عليه ودموعي نزلت غصب عني. شيرين استغربت وقالت: “يا حبيبي إنت قلقان عليه قوي كدة ليه؟ الدكاترة قالوا الجرح هيلم قلت لها بصوت مخنوق: “يا رب يعدي يا شيرين.. يا رب ربنا ما يحاسبنيش بسببه”. طول الليل مكنتش عارف أنام. كل ما أغمض عيني أشوف إيد ندى المشققة وهي بتلم العشرين جنيه من الأرض بكسرة نفس. قمت وقفت في البلكونة بتاعة الأوضة، كانت الدنيا فجر، وشفت ندى من بعيد وهي خارجة من باب المستشفى، كانت لامة هدومها وماشية بخطوة سريعة، وكأنها بتهرب من مكان فيه وباء.
طلعت محفظتي وطلعت منها كل الفلوس اللي معايا، كنت عايز أجري وراها وأحلف لها إني هصلح كل حاجة، إني هجيب لها شقة وأعوضها.. بس وقفت مكاني لما افتكرت كلمتها: “أنا باكل لقمة حلال من شقايا”. ندى مش عايزة فلوسي، ندى كانت عايزة “راجل” يصونها، وأنا أثبت لها إني كنت مجرد “عبء” على رجولتي. الصبح جه، والحرارة نزلت عن ياسين، والدكتور قال لنا تقدروا تخرجوا. وأنا بخلص إجراءات الخروج، عيني كانت بتدور عليها في كل حتة، كنت زي اللي بيدور على طوق نجاة وسط الغرق.
سألت الموظف في الاستقبال: “لو سمحت، الست اللي كانت بتنضف الدور التالت بالليل.. اسمها ندى، ممكن أعرف هي فين؟” الموظف بص لي باستغراب وقال: “ندى؟ دي كانت شغالة ‘يومية’ يا فندم، وخلصت شفتها وسلمت العهدة الصبح وقالت مش جاية تاني.. قالت إن المكان ده بقى بيخنقها”. خرجت من المستشفى وأنا شايل ياسين، وشيرين ماشية جنبي بتتكلم عن الحفلة اللي عايزة تعملها بمناسبة سلامة ابننا. ركبت العربية، وبصيت في المراية لشريط حياتي اللي فات.. شفت عمي وهو بيمو.
ت وبيوصيني، وشفت ندى وهي بتمسح الأرض بدموعها. دوّرت العربية ومشيت، بس كنت عارف إن الطريق اللي بدأت فيه مع شيرين ملوش نهاية سعيدة. ندى مشيت بكرامتها، وأنا فضلت في مكاني.. غرقان في ذنب هيفضل يطاردني كل ما أبص في وش ابني، وكل ما أشم ريحة “كلور” في أي مكان.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.