وفي مساء نفس اليوم، كنت في بيت المعادي، أجلس في الحوش الصغير تحت شجرة الليمون التي زرعها أبي، أتأمل النجوم وأشعر لأول مرة بروح أبي وأمي تحفّني بالسلام. وفجأة، انقطع التيار الكهربائي عن البيت بالكامل، وساد الظلام الدامس في الحوش والمنزل. حاولت إخراج هاتفي لأضيء الكشاف، لكنني سمعت صوت خطوات ثقيلة تتقدم على الحصى في الحوش الخارجي.. خطوات أعرفها جيدًا. ثم جاءني صوته من وسط الظلام، نبرة لم أسمعها منه طوال سبع سنين، نبرة فحيح الأفاعي: — فاكرة نفسك كسبتي يا أسماء؟ فاكرة إن القانون هيحميكي مني في بيتك؟ أنا جيت آخد روحي.
. وآخد البيت ده معاها. التفتُ بمفزعة وأنا أرى خيال جسده الضخم يتقدم نحوي وفي يده شيء يلمع تحت ضوء القمر الخافت.. فماذا سيفعل طارق في عتمة الليل؟ وكيف أعددتُ له مفاجأة أخرى لم تخطر بباله حتى وهو في قمة جنونه؟ ### الجزء الرابع: فحيح الأفاعي في وكر الأسد تجمدت الدماء في عروقي لثوانٍ معدودة وأنا أرى خيال طارق يتقدم نحوي وسط ظلام الحوش الدامس.
الشيء الذي كان يلمع في يده تبين أنه “مفتاح إنجليزي” حديدي ثقيل، كان يمسكه بعزم قوته وعيناه تتطاير منهما شرارات الجنون. لم يعد ذلك الزوج الأنيق صاحب الهدوء البارد؛ كان هائمًا على وجهه، ملابسه مبعثرة، ونبرة صوته تحمل غل سنوات من الطمع المكبوت. تراجعت خطوتين إلى الخلف مستندة بجذعي على شجرة الليمون، وقلت بصوت حاولت بكل قوتي أن يخرج ثابتًا: — انت اتجننت يا طارق؟ انت ناسي إنك كده بتمضي على وثيقة حبسك بإيدك؟ الضابط قال لك أي تعرض ليا هيتحول لجناية! ضحك ضحكة هستيرية عالية رنت في فناء البيت، وقال وهو يرفع الس..لاح الحديدي: — حبس؟
أنا مبقاش عندي حاجة أخاف عليها يا أسماء! مكتب الشقى اتقفل بالشمع، وأمي وأختي في الشارع بسببك، وحساباتي جمدتوها! أنا جيت أنهي الحكاية دي هنا.. في المكان اللي بدأ فيه كل حاجة. هتمضي لي على تنازل عن كل اللي هببتيه، وتنازل عن بيت أبوكي ده كمان، وإلا وعهد الله ما هتطلعي من الحوش ده صاحية، والكهرباء المقطوعة دي مفيش مخلوق هيعرف بسببها إنتي صرختي امتى ولا فين!
تقدم خطوة واسعة نحوها، وكان على وشك أن يرفع يده بالضرية الأولى، لكنني لم أتحرك، ولم أصرخ، بل ابتسمت ابتسامة خفيفة وسط الظلام، وقلت له بكل برود: — طب مش تبص وراك الأول يا طارق؟ قبل أن يستوعب كلماتي، انطلقت فجأة أضواء كاشفة قوية من أركان الحوش الأربعة، أضواء تعمل ببطاريات شحن مستقلة لم تتأثر بقطع الكهرباء، لتكشف المستور بالكامل وتعمي عينيه لثوانٍ من شدة سطوعها.
وفي نفس اللحظة، فتح باب المطبخ الجانبي وباب سور الحوش، ليخرج منهما أربعة رجال أشداء يرتدون ملابس حراسة خاصة، وبصحبتهم المستور رفعت الذي كان يحمل هاتفًا محمولاً يسجل به كل ما يحدث بالفيديو صوت وصورة! تراجع طارق إلى الخلف وهو يحجب الضوء بيده، والذعر يتملك ملامحه مجددًا، وصرخ: — إيه ده؟ انتوا مين؟
تقدم المستشار رفعت بثقة وهو يغلق تسجيل الفيديو، وقال بنبرة ملؤها الشماتة والقوة: — إحنا اللي كنا مستنيينك يا أستاذ طارق. معقولة محاسب قانوني ومفكرش إننا نتوقع حركتك دي؟ الست أسماء بلغتني بتهديدك ليها في التليفون، وعرفنا إنك جيت قعدت على قهوة قريبة من البيت من العصر. وعشان كده، الحراسة الخاصة دي كانت مستنياك، وفصلك للكهرباء عن البيت تم توثيقه بالكامل بكاميرات المراقبة المحيطة اللي شغالة بالطاقة الشمسية!
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.