تغير كل شيء في البيت بعد رفع قضية الطلاق للضرر. خيم على الأرجاء جو من التوتر والترقب، ولم تعد الضحكات العالية تصدـ,,ـــر من صالتنا كما كانت من قبل. كانت “نادية”، الضرة الجديدة، قد فرضت سيطرتها الكاملة؛ لم تعد تكتفي برفض الخدمة، بل أصبحت تتصرف بصفتها سيّدة البيت الجديدة والوحيدة، مستغلة وجود طفلها الذي طالما انتظرته حماتي.
أما أحمد، فقد أصبح يتردد يومياً على المحامين والأقارب، يحاول إيجاد مخرج يحفظ له هيبته أمام الناس. كان كبرياؤه يمنعه من الاستسلام لطلبات شيماء، لكن الخوف من فضيحة الشهادات والقضايا كان يأكل قلبه. وفي يوم الجلسة الأولى بالمحكمة، كان الموقف مهيباً وشديد القسوة على الجميع. حضرت حماتي مع أحمد لتسانده، وذهبتُ أنا وأخت زوجي بدافع الفضول والخوف مما قد يحدث.
هناك، في ساحة المحكمة المزدحمة، رأينا شيماء. لم تكن شيماء التي عرفناها. كانت ترتدي عباءة سوداء بسيطة ونظيفة، تقف بجوار أخيها “محمود” الذي كان يحيطها بذراعه بحماية واضحة. لم يكن على وجهها أي أثر للخوف أو الانكسار؛ كانت ملامحها هادئة، ونظراتها مستقيمة، وكأنها تخلصت من ثقل سنين الظلــ,,ـــــم بمجرد خروجها من باب بيت العيلة.
عندما وقعت عين حماتي عليها، حاولت الاندفاع نحوها وهي تصيح ناهرة: “يا بت أنتِ، فاكرة نفسك هتلعبي معانا في المحاكم؟ أنتِ نسيتي أصلك ولا إيه؟” لكن أخاها محمود وقف حائلاً بينهما بصلابة، وقال بصوت حاسم أسمع الحاضرين: “الزمي حدودك يا حاجة! أختي خلاص بقت في حمايتي، والكلمة هنا للقضاء والقانون. اللي عملتوه فيها أربع سنين هتدفعوا تمنه بالقانون والشرع.” دخل الجميع إلى قاعة المحكمة. وقف المحامي الخاص بشيماء يستعرض الأدلة وشهد الشاهدين؛
حيث حضرت الست “أم أمل” الجارة القديمة، وأدلت بشهادتها أمام القاضي بثبات، حكية عن الإهانات المستمرة، وعن طرد أكل شيماء في الزبالة علناً، وعن الصوت العالي والتريقة التي كانت تصل لإذني الجيران كل يوم. حاول محامي أحمد الإنكار والتطاول، واصفاً الادعاءات بأحقد النساء ومشاكل الحموات العادية، لكن القاضي استمع بتمعن ونظر إلى شيماء وسألها مباشرة: “هل تطلبي الطلاق مع التنازل، أم تتمسكي بالضرر واسترداد كافة حقوقك؟” وقفت شيماء أمام القاضي، وبلعت ريقها، ثم قالت بصوت واضح هز جنبات القاعة: “أنا يا سيادة القاضي ما ظلــ,,ـــــمتش حد، ولا اعتديت على حد.
أنا دخلت البيت ده يتيمة، وأخلصت لهم وخدمتهم بعيني، بس هم استضعفوني عشان ماليش سند. أنا متمسكة بحقي كاملاً، مش عشان الفلوس، لكن عشان يعلموا إن اليتيم له رب يسند ويجيب له حقه لما البشر يظلــ,,ـــــموه.” تأجلت النطق بالحكم للجلسة القادمة، لكن الجلسة كانت بمثابة ضــ,,ـــــربة قاضية لأحمد وحماتي. خرج أحمد من القاعة ووجهه شاحب كالمــ,,ـــــوتى، بينما كانت حماتي تمتم بكلمات غير مفهومة من شدة الغيظ والذهول.
عند عودتنا إلى البيت، كانت تنتظرنا مفاجأة أخرى. كانت نادية قد استغلت غياب الجميع ونزلت إلى شقة شيماء مغلقة الأبواب، وحاولت فتحها بالقوة لضم بعض قطع الأثاث إلى شقتها، بحجة أن شيماء لن تعود وأن ابنها أولى بتلك الأغراض. عندما علم أحمد بما فعلته نادية، اشتعلت بينهما مشادة كلامية حادة في منتصف الصالة. صرخ أحمد في وجهها: “انتِ اتجننتِ؟ القضايا شغالين علينا وأنتِ رايحة تفتحي الشقة وتعملي لنا مصيبة جديدة؟” ردت نادية بصوت أعلى وأكثر قسوة: “أنا أعمل اللي أنا عايزاه! أنت فاكرني زي العبيطة اللي كانت هنا؟
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.